السيد عباس علي الموسوي
60
شرح نهج البلاغة
الاهتمام بالخراج وتحصيله دون الاهتمام بعمارة الأرض ، تخرّب البلاد وتهلك العباد وهذا بدوره يشكل ثورة عمالية لا تمهل الوالي إلا قليلا حتى تلحقه بالظالمين . . . إن عمارة الأرض والعناية بها وتسهيل الأمر لأهلها ورفع الإجحاف عنهم كل ذلك يخلق طمأنينة عند أهل الخراج بأن الدولة تهتم بهم وتعتني بشئونهم فيحاولون أن يستردوا قواهم ويجددوا نشاطهم ويسعوا في سبيل ازدياد الانتاج وازدهاره . . . وانظر رحمك اللّه إلى علي ومدى اهتمامه بهم حيث يوصي الوالي أن ينظر في أمور هذه الطبقة حيث يقول له : فإن شكوا ثقلا ( في الضريبة ) أو علّة ( من مطر ) أو انقطاع شرب ( من نهر وغيره ) أو بالة ( من مطر ) أو إحالة أرض اغتمرها غرق ( بحيث فسدت من الطوفان ) أو أجحف بها عطش ( بحيث أتلفها ) خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم . . . يعني إن حصل بعض الآفات فخفف عنهم ما استطعت ، فإن في التخفيف عنهم إعانة لهم وإصلاحا لشئونهم . . . ( فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك ، وتزيين ولايتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم ، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم ، معتمدا فضل قوتهم ، بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم ، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به ، فإن العمران محتمل ما حملته ، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع ، وسوء ظنهم بالبقاء ، وقلة انتفاعهم بالعبر ) إن آفات الزمن إذا حلّت بأهل الخراج فلم يكن موسمهم مزدهرا لعلة ما ، فعلى الوالي أن يخفف عنهم مما عليهم من الضرائب والخراج ولا يثقلن ذلك عليه فإن المنافع الفائتة الآن من جراء هذا التخفيف سيعوضه الازدهار المرتقب في المستقبل على الدولة سيشعر هذا الإنسان أن الدولة تهتم بأموره وتساعده في حل مشاكله وأنها تعيش معه في ضرائه كما تعيش معه في سراّئه فيقوم بعملية المدح والثناء وينشر إعلاميا عدل الدولة واعتنائها به وهذا له دور كبير في عملية الراحة النفسية والاطمئنان القلبي وستبقى هذه اليد البيضاء محفوظة للدولة إذا احتاجت في يوم ما إلى إعانتها مما في أيديهم فإنهم يقدمون على عملية العطاء برضا وطيبة نفس لأن البلاد عامرة والنفوس سليمة باذلة . . . فإن الأرض إذا كانت عامرة يستطيع أهلها أن يقدموا المساعدات الممكنة التي تحتملها وأما إذا كانت خربة فإنهم يعجزون عن سدّ الحد الأدنى المطلوب منهم ، وهذا الخراب لا بد وأن يأتي من جشع الولاة وطمعهم في تحصيل الخراج ولو كان على حساب المحتاجين من أهل الأرض ، لأن هؤلاء الولاة يعرفون أن لا بقاء لهم ولا استمرارية لمنصبهم فلذا يحاولون أن يجمعوا